بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 25 ديسمبر 2010

" الألفية الثالثة المسيحية " !.. وزيارة البابا للبرازيل ..


" الألفية الثالثة المسيحية " !..
وزيارة البابا للبرازيل ..
الدكتورة زينب عبدالعزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية
 
بهذه العبارة الشديدة الوضوح ، المثقلة بالعديد من المعانى والوعيد ، أنهى البابا بنديكت السادس عشر خطابه فى إفتتاح المؤتمر الخامس لأساقفة أمريكا اللاتينية الذى اختتم به زيارته للبرازيل يوم الأحد 13 مايو الحالى ، داعيا : " أن تتولى السيدة مريم رعاية شعب الرب فى هذه المرحلة من الألفية الثالثة المسيحية " !!
وهذا المؤتمر ، الذى ينتهى فى أواخر مايو الحالى ، يتعيّن عليه تحديد الخطوط العريضة لعمل الكنيسة الفاتيكانية فى السنوات المقبلة فى أمريكا اللاتينية لمواجهة الفقر، وعدم تكافؤ الفرص ، و" عمليات التبشير العدوانية للطوائف المسيحية الأخرى" .. وبهذه العبارات المقتضبة يكون البابا قد أعطى المفاتيح مسبقا لما يجب على المجتمعين إتخاذه من قرارات، كما يكون قد كشف بلا أى مواربة عما يعدّه من تخطيط للأيام القادمة للإسلام والمسلمين بما أن الألفية برُمتها فى نظره "مسيحية"!

وكان البابا قد قام بزيارة لمدة خمسة أيام للعمل على تثبيت أقدام الكاثوليكية هناك بعد أن تناقص عدد أتباعها عدة ملايين فى السنوات الماضية ، سواء بسبب مجرد الإبتعاد عن الكنيسة أو الإنضمام لمبشرى الكنيسة البروتستانتية الأمريكية ، الأمر الذى يسبب قلقا شديدا للفاتيكان..

ومنذ اللحظات الأولى ، وهو لا يزال فى الطائرة ، أعلن البابا عن موقفه الثابت المعادى للإجهاض ولإستخدام العازل الطبى حماية من الإيدز ، ورفضه للطلاق ، ورفضه للزواج المثلى ، مضيفا : " أنه من الطبيعى أن يتم حرمان البرلمانيين الذين يؤيدون الإجهاض و أن يتم طردهم من الكنيسة " ! وهو ما يوضح أن أساليب العنف والقمع هى التى سوف تتصدر قائمة التصرفات القادمة ..
وقد سبق للفاتيكان فى الثمانينات أن أعلن حربا كاسحة على حركة لاهوت التحرر التى تزعمها كل من الأب جوستافو جوتييريز وليوناردو بوف، اللذان حكم عليهما البابا بالإيقاف عن العمل وبالصمت إلى الأبد.، وهو ما يوازى الموت حيا .. كما اقتلع الحركة المنادية بمساعدة الفقراء وبالتحرر من طغيان المؤسسة الفاتيكانتية، وتم إخمادها باستخدام أعضاء منظمة " أوبس داى " (عمل الرب) و "فرسان المسيح" .. وكان أنصار لاهوت التحرر يرون أن سبب هجر الأتباع للكنيسة الفاتيكانية هو توغلها الشديد فى الشؤن السياسية وغرقها فى بذخ هو أبعد ما يكون عن التقشف الذى طالب به السيد المسيح والذى كان يعيشه ..

وقد إلتقى البابا يوم الخميس 10 مايو بممثلى كل الكنائس والديانات الأخرى فى "لقاء أخوى " ، على حد تعليق المتحدث باسم الفاتيكان. ولم يلق البابا أى خطاب رسمى ولم يطرح أية موضوعات معينة، أو ذلك هو ما قيل رسميا. وعند نهاية هذا اللقاء أعلن الحاخام هنرى سوبيل ، رئيس الجمعية اليهودية فى مدينة ساو باولو قائلا: " أن البابا صديق للشعب اليهودى .. أننى أغادر هذا الإجتماع مرتاحا مغتبطا ، فليس من المتبع عادة أن يحصل الحاخام على مباركة البابا" !.. وكان الحاخام قد طلب من البابا أن يباركه ، وقام البابا بدوره بطلب المباركة من الحاخام ! (؟؟ )
ومن بين الذين حضروا هذا اللقاء الشيخ أرماندو حسين صالح (؟) ، من الجالية المسلمة. وهذا الإسم "أرمندو" (Armando) المسيحى البحت يكشف وحده عما تعيشه الأقليات المسلمة هناك وكيفية إضطرارها إلى الإحتماء بأسماء مسيحية تفاديا للإضطهاد ، إن لم يكن قد أصبح من الأمور المفروضة عليهم هناك..

وفى نهاية اللقاء حصل جميع الحاضرين على ميدالية تذكارية من البابا مكتوب عليها عبارة " بنديكت السادس عشر الحبر الأعظم" (Pontifex Maximus) ، وهو اللقب السياسى الذى كان يحمله القيصر وحده و يمثل أعلى سلطة سياسية فى الإمبراطورية الرومانية. لذلك كان القيصر هو الذى يدعو لإنعقاد المجامع ، ولذلك دارت المعارك بين المؤسسة الكنسية والدولة آنذاك للإستحواذ علي السلطتين. وتم لها ذلك فى أواخر القرن الرابع عندما تم الإعتراف بالمسيحية ديانة رسمية للدولة واستتب أمرها لتبدأ مسيرتها فى عصر الظلمات لمدة الف عام تقريبا..

وفى لقاءاته مع الشباب إنتقد البابا فى خطبه حالة الفساد المتفشية فى البلاد ، ونسبة الوفيات المرتفعة ، والرواج المرعب للمخدرات ، والإنفلات الجنسى اللا إنسانى ، إذ يقول الأطباء عن الفتيات المراهقات ، أى فيما بين سن العاشرة والرابعة عشر ، هناك "فتاة" تلد طفلا كل عشرون دقيقة ! ولعل البابا قد شعر بمرارة أقواله فأوضح قائلا : "لا يوجد ما يبرر التحايل على التطلعات الإنسانية بالتزييف والكذب – سواء كانت تطلعات إنسانية أو إقتصادية أو سياسية " .. لكن يبدو أنه قد نسى هذا التوضيح المتعلق بالتزييف والكذب ، فى العديد من تصريحاته ، وهو ما سوف نتناوله فيما بعد..

وفى اجتماعه مع حوالى 340 أسقفا كاثوليكيا ، طلب منهم البابا أن يتتبعوا الفارين من الكنيسة الكاثوليكية لصالح الطوائف الأخرى ، وأن يستعيدونهم "فردا فردا" ، إذ أن الكنيسة الكاثوليكية أصابها الشرخ ولا بد من ترميمها ! ومن الطريف أن يُرجع البابا أسباب الإبتعاد عن الكنيسة إلى "النقص فى عملية التبشير" !..
وأهم ما تناقلته الصحافة المحلية البرازيلية ونقلته عنها الصحافة الغربية وخاصة الفرنسية ووكالات الأنباء ، هو ذلك الخطاب الذى القاه البابا فى إفتتاح الدورة الخامسة لمؤتمر أساقفة أمريكا اللاتينية ، الذى أوضح فيه أنه لا الماركسية ولا الرأسمالية تجدى فى حل مشاكل الفقراء ، وإنما إنجيل المسيح ، موضحا أن الكنيسة لا يمكنها أن تكون مجالا للسياسة وإنما لتثبيت الإيمان بالمسيح ..

وهذا المؤتمر يدور حول عنوان : "أتباع يسوع ومبشروه لكى تجد الشعوب حياتها فيه ؛ فأنا الطريق والحق والحياة". وعلى الرغم من عدم صحة الصياغة ، حتى فى اللغة الفرنسية ، فإن البابا أصر على إضافة عبارة : "فيه" تأكيدا للدخول فى المسيحية ، وتأكيدا لتنصير كافة بلدان العالم وفقا لرؤيته..

ولا يسع المجال هنا لتناول نص الخطاب بكامله ، لكنا نكتفى بعرض بضعة عبارات منه لها أكثر من دلالة ، ومنها : "معنى قبول العقيدة (المسيحية) بالنسبة لهذه الشعوب وقبولهم المسيح ، ذلك الإله الذى لم يكن آباءهم يعرفونه وكانوا – بلا وعى منهم ، يبحثون عنه فى تراثهم الدينى !... إن المسيح كان المنقذ الذى يتمنونه فى صمت، وأن التبشير بيسوع وإنجيله لم يكن أبدا إلغاءً للثقافات المحلية ، ولم يكن أبدا عملية فرض لثقافة غريبة عنهم !... أن حكمة هذه الشعوب المحلية قادتهم لتوحيد ثقافاتهم بالإيمان المسيحى الذى كان المبشرون يهدونه لهم ".. واختتم خطابه بدعاء أن "تتولى السيدة مريم رعاية شعب الرب فى هذه المرحلة من الألفية الثالثة المسيحية"! ..

و أثارت هذه العبارات ، التى تناقض ما كان البابا السابق يوحنا بولس الثانى قد أعلنه عام 1992 ، عندما طلب العفو والسماح من الأهالى المحليين عن مختلف وسائل العنف التى اقترفتها فرق المسيحية عند غزوها أمريكا ، وهى عبارات لا تناقض ما قاله البابا السابق فحسب وإنما قد أثارث غضب وإهانة المسؤلين الحاليين، سواء الدينيين والسياسيين أوالخبراء فى الشؤون المحلية.

وقد أوردت الصحف الفرنسية وغيرها العديد من ردود الأفعال حول أقوال البابا وحول تبشير السكان الأصليين للأمريكتين ، خاصة أمريكا اللاتينية ، ومنهم عالمة اللاهوت سسيليا دوفى ، إحدى المسؤلين عن الإعداد لهذا المؤتمر ، معربة عن رفضها الكامل لكل ما قاله البابا بنديكت السادس عشر ، قائلة : " إن التبشير كان قهريا قمعيا عنيفا ، بل كان صداما عنيفا بين الحضارات وسبب أضرارا تامة للهنود المحليين ".

أما أنطونيو كاستيلو ، رئيس المؤسسة القومية للهنود ، فقد أعلن عن إستيائه التام لتغيير التاريخ ونَشَر رأيه أيضا على موقع "جلوبو".. بينما قال المؤرخ البرازيلى فالدير رامبينللى ، الأستاذ بجامعة سانتا كاترينا : " كان يتعيّن على البابا أن يقرأ ما كتبه الأب بارتولوميه دى لاس كازاس الذى فضح البشاعات التى اقترفها المبشرون والغزاة الإسبان باسم الدين!" .. أما لويس أندراد ، فقال : " إن مجرد إنكار أن فرْض الكاثوليكية قد تم قهرا وأنه قد تم استخدامها كآلية للسيطرة على الشعوب المحلية ، يعنى التعتيم على التاريخ وتحريفه ... ونحن كشعوب محلية ، إن كنا مؤمنين ، فلا يمكننا قبول أن تنكر الكنيسة مسؤليتها فى إبادة شعوبنا وهويتنا وثقافتنا".

بينما قال الأب ساندرو توسكا : "إننا ندين عبارات البابا الجارحة إدانة تامة ، فقوله أن الإقتلاع الثقافى والعرقى لشعوبنا كان بمثابة عملية تطهّر للنفس أمر يصدم وبكل صراحة : أمر مفذع "! وقد أضاف الأب باولو سويس قائلا : " من الواضح أن البابا لم يفهم حقيقة الموقف هنا .. إن عباراته خاطئة ولا يمكن الدفاع عنها ، إننى محرج منها" !..

وفى فنزويلا أعلنت نيتسيا مالدونادو ، وزيرة الشؤن المحلية : " أن الغزو الإمبريالى كان أكبر قتل عرقى فى تاريخ أمريكا اللاتينية" .. بينما أوضح فليكس باتزى ، وزير التعليم السابق قائلا : " أن البابا بنديكت محدود الرؤية ضيق الأفق ، وخطابه زائف ، فنحن نعلم تماما أن كل ذلك قد تم فرضه وأن فترة الإستعمار كانت مكونة من محاكم التفتيش وهدم كل شىء .. فكل الكنائس قد تم تشييدها فوق أماكن العبادة الهندية التى تم تدميرها ".. أما جزينالدو ماويه ، مدير التنسيق بين الشعوب فى الأمازون ، فقد أوجز فى عبارته قائلا : " إن البابا شديد الوقاحة وكلامه لا يتمشى أبدا مع الواقع " !

و قد أعربت مجلة إكسبرس الفرنسية عن غضب قادة الأمة البرازيلية وأوضحت أنهم أُهينو من "العبارات الوقحة وغير المحترمة" التى قالها البابا الذى أعلن " أن هذه الشعوب كانت تنتظر فى هدوء وسكينة قدوم القساوسة المسيحيين لإدخالهم العقيدة " ! أما مجلة نوفل أوبسيرفاتير فكتبت تحت عنوان " كارثة " أن "الهدف من زيارة البابا هو مد حملته الصليبية الكاثوليكية إلى أمريكا اللاتينية .. وقد أدان الشيوعية لأنه يخشاها ويخشى توغلها فى الكنيسة !"

وتوضح وكالة رويتر أن ملايين من الهنود الحمر قد أُبيدو أيام الإستعمار بمساعدة الكنيسة ، منذ اللحظة الأولى التى وطأ فيها كريستوفر كولمبوس أرض القارة عام 1492 ، سواء بالقتل أو بالأمراض الوبائية التى جلبوها معهم أو بفرض السخرة و العبودية عليهم.

ولا تزال البقية الباقية من هذه الشعوب الأصلية تكافح وتجد صعوبة لمواصلة حياتها ، فهم حاليا مستبعدون مهمشون فى المجتمع ومحرومون من معايشة عاداتهم وتقاليدهم التراثية. وقد قامت العديد من المنظمات الأهلية بارسال خطابات للبابا ترجو فيها مساعدته للدفاع عن أراضيهم وعن ثقافتهم التراثية. فقد تعرض الهنود الحمر للقتل العرقى بصورة كاسحة ، ولا يزالوا يتعرضون له حتى يومنا هذا وإن كان بصور مختلفة.. وهو ما تولته أيضا "لجنة تقصى الحقائق فى القتل العرقى" الذى تم فى كندا وكنائسها .. ومن أهم الذين يتزعمون هذه الحركة الأب كفين آنّيت من كندا متهما "الكنيسة وأيديها الملطخة بالدماء" ، والذى تقدم بعريضة عنوانها : "كفّوا عن التواطوء فى القتل العرقى" ! ..
وكفين أنّيت كان يعمل قسا فى الكنيسة المتحدة بمدينة فنكوفر فى كندا ، وتم طرده من الكنيسة عام 1995 لتبنيه قضايا السكان الأصليين وتقديم وثائق تثبت أن الكنيسة تسرق أراضيهم ، إضافة إلى الكشف عن جرائم أخرى ترتكب ضدهم كقتل الأطفال، وتعرضهم للإغتصاب ، كما تقوم بعض المستشفيات بعمل تعقيم إجبارى .. وله كتاب بعنوان : "فى خفية من التاريخ : المحرقة الكندية" !

ولم نسهب إلى حد ما فى عرض بعضا من الردود التى أثارها خطاب البابا بنديكت السادس عشر، فى إفتتاح المؤتمر، إلا لنعرض نموذجا مشرفاً من المواقف الإنسانية الصادقة ، دفاعا عن الحق وعن الوطن وعن الدين و عن التراث وعن التاريخ المُعاش والثابت بالوثائق .. نموذجا مشرفاً لم يخجل أصحابه ولم يُحرجو من الدفاع عن الحق، بل لم يترددو لحظة فى الرد على البابا وهو لا يزال ضيفا على أراضيهم ، بل ويمثل أعلى سلطة دينية فى العالم متلفعا بلقب أعلى سلطة سياسية ! فالدفاع عن الحق شىء ، والمجاملات الرخيصة والتواطوء مع الأحداث الإجرامية أو الصمت عليها شىء آخر ..

ومساء يوم الجمعة الموافق 18 مايو الحالى ، أعلن هوجو شافيز ، رئيس جمهورية فنزويلا ، فى حديث إذاعى تلفزيونى مطالبته البابا بنديكت السادس عشر "أن يقدم إعتذاراته لهنود أمريكا اللاتينية عن تصريحاته الحديثة حول تنصير القارة، متسائلا : " كيف أمكنه قول أنهم أتوا للتبشير والتنصير دون استخدام أى شكل من أشكال العنف وكانوا مسلحون بالبنادق ؟!...إن ما حدث فى أمريكا أكبر وأبشع من المحرقة التى تمت أثناء الحرب العالمية الثانية ، ولا يجروء أى شخص على إنكار ذلك ولا يمكن لقداسته أن ينكر محرقة الأبوريجيين على هذه الأرض ... لقد قال شيئا يصعب قبوله ... لذلك تفقد الكنيسة الكاثوليكية كل يوم المزيد من الأتباع. ويبدو أن البابا مهتم أكثر بإنخفاض عدد الأتباع فى أمريكا اللاتينية. إلا أنه بمثل هذه التصريحات فقد زاد من عدم استقرار الكنيسة أكثر وأكثر " ، ثم اختتم كلامه قائلا : " إن قول الحقيقة لا يجرح ولا يهين أى شخص ! ".

وهنا لا يسعنا إلا أن نتساءل : هل سيعتذر البابا عن كل ما اقترفه من مغالطات قائمة على الكذب والتحريف ، أم سيأسف " لردود الفعل الهمجية " مثلما أسف لردود فعل المسلمين أيام محاضرة راتسبون الشهيرة وسبّه المتعمّد للإسلام ونبيه صلوات الله عليه؟!

وما أكثر النقاط الجديرة بالتعليق فى هذه الزيارة المتفردة ، فى كثير من جوانبها ، من قبيل إستخدام الكذب وتحريف التاريخ علنا بكل جبروت وثقة ، أو مقولة أن الكنيسة لا شأن لها بالسياسة ، فى الوقت الذى يقوم فيه الفاتيكان بعمل دورة للدبلوماسيين المسلمين لديه ليشرح لهم "سياسة الفاتيكان وإنجازاته فى العالم عن طريق هيئة الأمم" ، أو تلك الصداقة التى تثير عدة علامات استفهام بين البابا والحخام وتبادل المباركة ! لكننا سنكتفى بالتوقف عند نقطتين هما : تسلل وتكرار عبارة "إنجيل يسوع" فى الخطاب البابوى ، و عبارة "الألفية الثالثة المسيحية".

من المعروف أن العبارات المستخدمة للإشارة إلى النصوص الكنسية كانت من قبل : الكتاب المقدس ، العهد القديم والعهد الجديد ، البشارة أو النبأ السار.. أما عبارة "إنجيل يسوع" ، فمن المعروف أيضا فى المجال الكنسى وتاريخه أن السيد المسيح لم يكتب إنجيلا ، وإن الأناجيل بدأت كتابتها من بعده بحوالى من سبعين إلى تسعين سنة ، وظلت تُكتب وتُعدّل حتى القرن الرابع عندما صاغها القديس جيروم فى شكلها الحالى بأمر من البابا داماز..

وعبارة "إنجيل يسوع" هى العبارة الواردة فى القرآن الكريم فقط ، وهى دليل إلهى على أن الأناجيل السائدة ليست ذلك الإنجيل الذى أوحى به الله عز وجل إلى السيد المسيح عليه السلام . إلا أن المؤسسة الكنسية وخاصة لجان الحوار يستخدون وجود هذه العبارة فى القرآن فى عمليات التبشير لإقناع المسلمين بأن المسيحية الحالية منزّلة ، وأن القرآن يعترف بالأناجيل ، ومن باب أولى أن نعترف بها نحن أيضا ونتّبعها !.. وهى عملية تحريف و تزوير أخرى ، ومن الواضح أنها سوف تستخدم على نطاق أوسع فى المرحلة القادمة فى عملية تنصير المسلمين!
أما العبارة التى اختتم بها البابا خطابه مشيرا إلى هذه "الألفية الثالثة المسيحية" ، فقد لا تكون بحاجة إلى تعليق لوضوحها الشديد ، إلا أنه إذا ما وضعناها مع معطيات أخرى ، واردة على الساحة ، لاتضحت أبعادها أكثر، ومنها : تأكيد البابا فى مختلف خطبه ، وخاصة فى البرازيل ، على أن دور العلمانيين فى عملية التبشير أساسى ؛ وخطابه السابق حول الإتحاد الأوروبى ؛ والرسالة التى أرسلها الأساقفة المجتمعون آنذاك إلى برلين ؛ ووعد أنجيلا ميركل ، إبنة القس البروتستانتى ، بفتح باب النقاش حول موضوع الجذور المسيحية لأوروبا فى الادستور الجديد – خاصة وأنها رئيسة لجنة الإتحاد الأوروبى حاليا ؛ إضافة إلى تصريحات نيكولا ساركوزى، الرئيس الفرنسى الجديد فى نفس يوم استلامه الرئاسة ، فى 16 مايو الحالى ، وسفره بعد سويعات إلى المانيا حيث قال : " الصداقة الفرنسية الألمانية مقدسة بالنسبة لفرنسا ولا يمكن لأى شىء أن يمسها " ، و "سأدافع عن هوية فرنسا " ، وذلك إضافة إلى كرهيته للمسلمين والعرب والتى كشف عنها عندما كان وزيرا للداخلية، بالطريقة الوحشية العنف التى تصدى بها رجاله لأحداث الشغب فى الضواحى عام 2005 وأدت إلى وفاة طالبين، وهى الأحداث التى اندلعت بسبب إلقاء رجال البوليس الفرنسى قنبلة مسيلة للدموع فى أحد المساجد أثناء تأدية الصلاة فى أخر يوم فى رمضان ، وخاصة تصريحاته أثناء حملته الإنتخابية و "إعلانه رفضه لإنضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبى وأنه سوف يتصرف بحيث يوقف مباحثات إنضمامها التى بدأت عام 2005 " .. و كل ذلك عبارة عن أجراس تقرع لمن يسمع ..

وإذا ما أضفنا إلى تلك المعطيات : ما قيل فى الدورة التدريبية التى كرسها الفاتيكان للدبلوماسيين المسلمين لديه وأنه سيتم الإعلان عن أمور على الجميع تقبلها، تلك الدورة التى سبقها عقد مؤتمر فى مدينة البندقية حضره وزراء العظام الست ، وعلى رأسهم مسؤل الأمن الأمريكى مايكل شيرتوف وطالبوا بعده بألا يؤدى الأئمة خطبة الجمعة باللغة العربية وإنما بلغة البلد الذى هم فيه (وهو ما نشرته جريدة لاريبوبلايكا يوم 13 مايو الحالى)؛ والإجتماع الذى انعقد فى 12 مايو الحالى فى مدينة شتوتجارت بألمانيا تحت عنوان "معاً من أجل أوروبا ، حماية الميراث المسيحى ، الثروة الخاصة بالقارة الأوروبية"، وحضره ممثلون من كافة الكنائس المختلفة وأعضاء من 250 منظمة تبشيرية وذلك من أجل توحيد أوروبا وفقا لهويتها المسيحية.. ومن لم يتمكن من الحضور، خاصة من كبار المسؤلين ، فقد أرسل برقية يعرب فيها عن تأييده..

ومن هذه الشخصيات خوزيه باروسو رئيس اللجنة الأوربية ، وأنجيلا ميركل مستشارة الرئيس الألماني ، وبرتى آهرن رئيس وزراء آيرلندا ، وجاك ديلور الرئيس السابق للإتحاد الأوروبى ، و رومانو برودى رئيس الحكومة الإيطالية، والبابا بينديكت السادس عشر ، الذى لم يترك فرصة كبيرة أو صغيرة تمر دون أن يشير إلى ضرورة الإشارة إلى الجذور المسيحية لأوروبا.

وفى نفس الوقت نشرت جريدة لوموند الفرنسية بتاريخ 12 مايو الحالى أن هناك حملة ، تقودها الكنيسة وأحد البنوك فى ريو دى جانيرو ، لكى يتم اختيار التمثال الذى يمثل السيد المسيح أعلى هضبة كوركوفادو ليصبح " إحدى عجايب الدنيا " الجديدة ، وأنهم يجاهدون للحصول على موافقة البابا !!
والتمثال مصنوع من الأسمنت ، سنة 1931 ، ويبلغ إرتفاعه ثلاثون مترا ، ويمثل السيد المسيح واقفا فاتحا ذراعيه على أقصاها ليبدو على هيئة صليب !.. والأمر معروض على اليونسكو للبت والدراسة .. ولا نفهم ما "العجيبة" فى مثل هذا التمثال إن لم تكن دلالته التنصيرية النزعة فى هذه الفترة التى يتزايد فيها التبشير بإصرار أكمه فى جميع أنحاء العالم !! لذلك كثر الحديث فى الصحافة والإعلام المحليين عن إستبعاد أهرامات الجيزة من قائمة عجائب الدنيا ، ولم تتم الإشارة إلا بصورة عابرة ، عند الإشارة إلى باقى الترشيحات ، حتى تتم المسألة بلا مصادمات أو حتى لا يعوقها شىء ، – مثلها مثل عمليات التبشير التى وضعوا لها درعا يحميها تحت مسمى "الحوار" لتتم هى أيضا بلا مصادمات تذكر!

وبعد كل هذه الشذرات من الوقائع المتضافرة الإيقاع ، وهى جد قليلة من غثاء كثير ، هل سيظل أهل القرار وأصحابه لدينا ، فى العالم الإسلامى والعربى ، فى كافة المجالات ، فى سباتهم العميق ؟!
عسى الله عز وجل أن يعاونهم على الإفاقة وسرعة التصرف ، فمن الواضح أننا أصبحنا لا نفيق ولا نفهم إلا بعد العديد الصفعات !..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق